العمارة والفراغ كحالة وجودية

By Marah Sleman

 


البارحة، بينما كنت أقود سيارتي في شارع الجامعة، وقفت عند اقرب محطّة لتعبئة البنزين، كنت أنتظر قدوم أحد ليساعدني، وبعد لحظات نظرت حولي، فإذا بالمحطة خالية تمامًا من البشر، حتى أجهزة الوقود متكسرة، والمكان يبدو مهجورًا وكأن الزمن قد توقّف فيه، أصابني ذعر حاد، فأسرعت بالقيادة نحو الشارع الرئيسي، ووقفت بسيارتي بين السيارات الأخرى فقط لأشعر بأنني اعود الى الحياة.

ذلك الشعور بالقلق والهلع يُعرف بالنيكروفوبيا Necrophobia، أي الخوف من الأماكن الفارغة، وتضاعف هذا الخوف عند دراستي للعمارة، فأصبحت لا أجد معنى للمباني دون ان يسكنها البشر، وكأن المبنى الفارغ هو ضريح ضخم يقوم الفراغ بإلتهامه، وعرفت حينها ان العمارة تحتفل بالحياة من خلال الانسان، ولم استوعب يوما فكرة المكان الذي لا يُسكن، العمارة التي تُبنى ولا تُعاش، الجدران التي لا تسمع ضحكة والنوافذ التي لا يُطلّ منها أحد.

كنت أظن أن الخوف من الأماكن المهجورة والفارغة هو الفوبيا الوحيدة التي امتلكها، حتى بدأت ألاحظ شيئًا آخر:
أنا لا أخاف فقط من المباني الفارغة، ولكنني ايضا اخشى الأشخاص الفارغين،
و أشعر بالاختناق إن جلست مع اشخاص، بلا فكر، بلا مشاعر، بلا شغف، بلا قضية، بلا اراء، فأُطفئ أي حوار خلال دقائق إن لم أشعر بالحياة في عيونهم، أو شرارة شغف ومعرفة في احاديثهم، فتجدني دائما اركض بعيدا عن أولئك الذين يتحدثون بلا روح، ويعيشون بلا قضية، ولا يسألون أنفسهم لماذا جاؤوا إلى هذا العالم.

لهذا، فتلك الفوبيا من الفراغ تدفعني دائما لأُرهق نفسي بالأسئلة، بالقراءة، بالكتابة، بالتأمل، بالتجربة، بالسفر، فقط لأتأكد أنني ممتلئة، أنني حاضرة، انني على قيد الحياة، لأن الفراغ، في جوهره، ليس نقصًا في الأشياء... بل غياب في المعنى.