الحداثة الكتالونية وأقبية نبيذ غويل

By Marah Sleman

تقع كتالونيا او قطلونية في شمال شرق إسبانيا، ومنها انطلقت الحداثة الكاتالونية في فن العمارة والتي كانت امتداد او اعادة تجسيد لحركة الآرت نوفو التي انتشرت في اوروبا في اواخر القرن التاسع عشر بعد ان ارخي السدال عن العمارة القوطية في اسبانيا بعد عصر النهضة، حيث انتشر الفكر النهضوي الذي رفض التعقيد والتفتيت والزخرفة القوطية، وركّز على التوازن والتناظر والبساطة، كما أدّى ضعف تأثير الكنيسة الكثالوكية -التي كانت على صلة وثيقة بالعمارة القوطية التي شكّلت مئات الكاتدرائيات في المنطقة- الى اندثار الطراز القوطي خاصة أن أوروبا شهدت العديد من حركات الإصلاح الديني في ذلك الوقت مثل البروتستانتية التي فضت البذخ والزخرفة المرتبطة بالكنيسة الكاثوليكية، مما قلل من الاستثمار في الكاتدرائيات القوطية واختفاء الطراز القوطي المعّقد.

انتشرت حركة الحداثة الكتالونية التي تستخدم اشكال وزخارف مستوحاة من الطبيعة وليس من القصص الدينية والأساطير، اضافة الى استخدامها المواد المحلية مثل السراميك والحديد المشغول والأحجار الطبيعية الملوّنة، وحيث كانت كتالونيا احدى أكثر المناطق ازدهارًا في إسبانيا في ذلك الوقت أتاح هذا للطبقة البرجوازية دعم الفنون والعمارة بعد ان استلهم المهندسون الكتالونيون من الآرت نوفو الأوروبي وأعادوا صياغته ليناسب الخصوصية الثقافية.

:كان أنطونيو غاودي أبرز رواد حركة الحداثة الكتالونية، وأحد أعظم المهندسين الذين طبقوا مبدأ

(Gesamtkunstwerk) "العمل الفني الشامل"

بحيث تكون المباني عبارة عن اعمال فنية متكاملة تجمع بين العمارة، النحت، الفنون الزخرفة والرمزية المستوحاة من التقاليد الثقافية

هذا بالإضافة لإستخدام غاودي تقنية  استخدم غاودي تقنية الشهيرة،

"Trencadís"تعني التكسير او القطع المتكسرة

والتي تعتمد على تجميع قطع صغيرة من السيراميك أو الزجاج الملون، لإضفاء ألوان نابضة وحيوية على اسطح المباني حيث ظهرت هذه التقنية بشكل بارز في أعماله، مثل بارك غويل

الحديقة المليئة بالرمزية المستوحاة من الأساطير الكتالونية والثقافة المحلية حيث أن اشهر معالم الحديقة هو تمثال السحلية المزخرفة الذي صمم باستخدام هذه التقنية واصبح رمزا لتصاميم غاودي التي تحتوي على مزيج من الفسيفساء والزجاج الملون.

لاقت الحداثة الكتالونية دعمًا كبيرًا من أكثر العائلات ثراءً في إسبانيا،التي قامت بتبّني هذه الحركة كوسيلة للتعبير عن الطموحات الثقافية والاجتماعية للمنطقة، وكان من أبرز هؤلاء ايزابيل غويل، أحد أبناء العائلات الهامة والذي كان من الصناعيين والمثقفين الذين ساهموا بشكل مباشر في النهضة الثقافية والاقتصادية لكتالونيا خلال أواخر القرن التاسع عشر واصبح راعيًا لأنطوني غاودي بعد ان أعجب غويل بأعمال غاودي بشكل عميق، حيث رأى فيه القدرة على تجسيد الروح الكتالونية الحديثة، ولذلك كلفه بتنفيذ مجموعة واسعة من المشاريع التي أصبحت اليوم من أبرز معالم العمارة الكتالونية، ومن بين هذه المشاريع حديقة غويل الشهيرة وأقبية نبيذ غويل، التي صُممت في منطقة غارراف بالقرب من برشلونة، كجزء من مشروع لإنتاج النبيذ لصالح غويل.

في تصميم الأقبية، اعتمد غاودي على أشكال مستوحاة من الطبيعة، وهي سمة رئيسية للحداثة الكتالونية، حيث تضمنت السقوف المقوسة والأقواس البارزة التي تعكس إحساسًا بالحركة والعضوية، مما يمنح المبنى شعورًا بالاندماج مع الطبيعة المحيطة، كما استخدم غاودي تقنيات تقليدية مثل الحجر الطبيعي والأخشاب، ولكنه أضاف لمسة جديدة تعكس رؤيته باستخدم تقنيات بناء تعتمد على القوة الطبيعية والانحناءات لتوفير الدعم، مما جعل التصميم بسيطًا وعمليًا في الوقت ذاته. كما أن تكامل الأقبية مع المناظر الطبيعية المحيطة أظهر رؤية غاودي المميزة للانسجام بين العمارة والبيئة.

لم تكن الأقبية مجرد مبنى وظيفي، بل أصبحت تمثل جزءًا من الهوية الثقافية الكتالونية، حيث سلطت الضوء على أهمية النبيذ كمنتج تقليدي في المنطقة، كما أنها تعكس الروح الكتالونية التي كانت تبحث عن هوية ثقافية متميزة خلال تلك الفترة، متأثرة بحركة النهضة القومية التي كانت تهدف إلى تأكيد خصوصية الثقافة والهوية الكتالونية.

"الأصالة تعني العودة إلى الأصول، والطبيعة هي أفضل مصدر للإلهام."

انطونيو غاودي

معماري كتالوني